المقدمة

إن وظيفة القاضي تنحصر أساسا في حسم النزاعات و ذلك بالكشف عن الحق و

إسناده لصاحبه و توفير الحماية له بتوقيع الجزاء القانوني على من يتبين أنه قد أعتد ي

عليه و أخل بارتكابه هذا الفعل بقاعدة قانو نية و لاشك أن قيام القاضي به ذه الوظيفة

يفترض وجود نزاع بين شخصين حول هذا الحق يدعيه أحدهما لنفسه و يزعم أن الآخر

اعتدي عليه بينما يزعم الآخر من جانبه أن هذا الحق حقه أو ينكر صدور اعتداء على

حق غير ه.و لما يطرح النزاع على القاضي يتخذ شكل الخصومة و تعرض على القاضي

الذي بعد التحقيق بين الطرفين يحسم النزاع طبقا للقانون مما يؤدي إلى إنهائه بصورة تمنع

من استمراره.

غير أنه يمكن أن عمل القاضي قد لا ينصرف إلى فصل النزاع القائم بين

الطرفين أو عدة أطراف إنما تقتضي الضرورة اللجوء إلى القا ضي لأجل اتخاذ تدابير

معينة منها ما يستهدف إلى المحافظة على الحق أو على ضمانه و منها ما يقصد إلى تأكيد

الحق أو إقراره سواء كان ثمة نزاع قائم بالفعل أو كان النزاع على وشك الوقوع أو كان

قد قام ثم انتهى بل و لو حتى و لو لم يكن هناك نزاع أصلا فتقتضي بالتالي

الضرورة و المصلحة أن يتدخل القاضي بماله من سلطة لاتخاذ التدابير ذلك لان الفرد

ممنوع عليه اتخاذها بنفسه بحكم تنظيم المجتمع و لكن نحتاج إلى التساؤل ما إذا كان

القاضي يستمد في اتخاذ هذه التدابير إلى سلطة القضاء المسندة إليه أصلا ؟ لاشك أن

الجواب يكون بالنفي لأن القضاء هو حسم للمنازعة و في الحالات المذكورة من قبل فلا

توجد منازعة و لا حسم و تسمى بالتالي السلطة الولائية و تمارس من طرف رئيس

المحكمة.

أولا : معيار التفرقة بين السلطة الولائية و القضائية :

إن سلطة القاضي لا تقتصر على حسم الخصومات التي ترفع إليه لإصدا ر حكم

قضائي ينهي النزاع و يقرر الحق لأحد الطرفين و يلزم الآخر بأدائه بل أن اختصاص

القاضي يشمل أيضا سلطة إصدار الأوامر للأفراد يكون المقصود منها المحافظة على

وضع معين إلى أن ينظر النزاع القائم أو الذي سيقوم بشأنه أمام المحكمة و لهذا يقال أن

للقاضي وظيفة ولائية ووظيفة قضائية . فالولائية تكمن في إصدار الأوامر و القضائية

في حسم النزاعات و إقرار الحقوق و معيار التفرقة بينهما نجيزه في فكرتين :

01 ) الفكرة الأولى : المعيار الشكلي:

العمل القضائي يكون إذا سبقه حضور الخصوم أمامه و الإدلاء بحججهم و دفوعهم.

أما العمل الولائي يتم في غير مواجهة الأطراف و دون إتباع الإجراءا ت اللازمة

للدعوى.

وأضاف أنصار المعيار الشكلي على أن العمل القضائي يحوز حجية الشيء المقضي

فيه و يكون مسببا و مبينا للمواد القانونية المطبقة أما العمل الولائي لا يحوز على قوة

الشيء المقضي فيه و لا يحتاج إلى تسبيب.

وجه لأنصار هذا المعيار عدة انتقادات منها أن الإجراءات و إن كانت من المميزات

الضرورية للعمل القضائي إلا أنها ليست من طبيعته و لا تلازم بينهما و ذلك مثل أمر

الأداء فهو أمر قضائي بالرغم أنه يصدر إتباع الإجراءات الشكلية التي تحاط به

المحاكمات من حيث الدعوى و حضور الأطراف و تقديم حججهم و دفوعهم.

02 ) الفكرة الثانية : المعيار الموضوعي:

يتجه هذا الأخير إلى الأخذ بطبيعة التصرف الذي يصدره القاضي فإذا كان مؤدى

هذا التصرف إلى فض الخصومة أي نزاع قائم بين طرفين حول حق من الحقوق و

القاضي يقرر الحق لأحدهما فهذا التصرف يعتبر حكما و يكون مصدره سلطة

القاضي القضائية. أما إذا كان التصر ف مجرد إجراء أو تدبير لا يستهدف حسم

الخصومة و تقرير الحق و إن ما يقصد به المحافظة على وضع أو صيانة مصلحة